الجزائر واستغلال ورقة حقوق الإنسان

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 29 مارس 2016 - 5:53 مساءً
الجزائر واستغلال ورقة حقوق الإنسان

فشلت البعثة الدائمة للجزائر في مجلس حقوق الانسان ، المنعقدة دورته مؤخرا بجنيف ، في جعل ملف الصحراء من ضمن الانشغالات الدائمة للمجلس في كل الدورات الثلاث التي تعقد كل سنة ، وذلك من خلال إحداث آلية أممية لتتبع أوضاع حقوق الانسان بالأقاليم الجنوبية ورفع تقارير عنها لمجلس حقوق الإنسان لمناقشتها في كل الدورات.

وقد سبق ، في أكثر من مناسبة ، أن طالبت السلطات الجزائرية بضرورة دعم آليات بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، غير أن كل محاولاتها باءت بالفشل ، رغم حشدها و تعبئتها لكل الإمكانات المادية و الإغراءات المالية لفائدة بعض الهيئات والأفراد ، و تأثيرها على عدد من الدول ، وبالخصوص دول أمريكا اللاتينية ودول إفريقيا ، من أجل دعم خطتها العدائية ضد المغرب ، المغلفة باسم حقوق الانسان ، سواء في أروقة هيئة الأمم المتحدة أو خارجها .

وقد نتساءل في هذا الخصوص ، هل فعلا دولة الجزائر لها اهتمام مبدئي في أجندتها السياسية باحترام مبادئ حقوق الإنسان وحمايتها في الأقاليم الصحراوية بالمغرب ؟ ولماذا تغاضت في مطلبها عن منطقة تندوف المتواجدة بأرضها وما يحصل فيها من مآسي ؟

أولا ، فالجزائر لها ماضي سيئ في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في حق مواطنيها ، في الماضي و في الحاضر، ومازالت لحد الآن تتلكأ في إحداث آلية للحقيقة والإنصاف، وتسوية ملفات ضحايا الانتهاكات ، خوفا من تورط بعض القادة الجزائريين – الحاليين أو الذين تقاعدوا – في تلك الانتهاكات.

و لذلك على دولة الجزائر أن تكون نموذجا في احترام حقوق الانسان ، وهي التي مازالت تضطهد أعضاء حركة الجبهة الإسلامية و النشطاء الأمازيغيين، وبالتالي فهي آخر من يجب أن يتحدث عن حقوق الإنسان باعتبارها دولة مازالت تنتهك حقوق وحريات مواطنيها و تتصدى بآلة القمع ضد كل المعارضين ، إسلاميين أو يساريين، كلما حاولوا التعبير عن آرائهم المعارضة.

ثانيا ، إن إحداث آلية أممية لتتبع أوضاع حقوق الانسان بالأقاليم الجنوبية والتقرير حولها ، لا يمكن أن يخدم الأجندة الحقوقية والأهداف المتوخاة منها، بل أكثر من ذلك من شأنه أن يقوض استقلالية الفعل الحقوقي.

ذلك أن الأولوية في مجال حماية حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية ينبغي أن تتوجه إلى تعزيز عمل المنظمات الحقوقية غير الحكومية الوطنية التي لها وجود وعمل ميداني، ومشهود لها بالجدية والمصداقية والمساهمة في تقوية قدرات الفاعلين الحقوقيين بالمنطقة. فهي أولى بالقيام بمهمة تتبع أوضاع حقوق الانسان ، علما بأنها تتمتع بهامش من الحرية في هذا المجال ، وخير دليل على ذلك أن أوضاع حقوق الإنسان بمنطقة الصحراء شكلت محور اهتمام المنظمات الحقوقية المغربية، من خلال العمل اليومي الذي تضطلع به فروع هذه المنظمات بعين المكان.

فعلى سبيل المثال ، استطاعت بعض المنظمات الحقوقية المغربية القيام بزيارة سجون المنطقة، ومتابعة محاكمة الناشطين الصحراويين ، ومتابعة شكايات رفعتها بعض الجمعيات تطالب من خلالها بالاعتراف القانوني بها ، وتقصي الحقائق المنجزة حول أحداث العيون في 13 نونبر 1999، وأحداث السمارة في نونبر 2001 وأحداث العيون في يناير 2005، ومتابعة أحداث مخيم أكديم إزيك، ومحاكمة المتهمين في هذا الملف، وحالات بعض الوفيات في سجون بعض الأقاليم الصحراوية.

فمن الممكن أن تتولى بعثات السلام الأممية مهمة مراقبة أوضاع حقوق الإنسان، لكن في المناطق التي تشهد انهيارا للدولة أو تعرف حروبا أهلية أو انتهاكات جسيمة كجرائم الحرب و الجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة، على أن الأمر لا علاقة له بالوضع في المغرب، الذي يعرف استقرارا من شماله إلى جنوبه.

فشل الجزائر في هذا الصدد ، سبقته خيبة أمل البرلمان الأوروبي . فرغم مصادقة هذا البرلمان بالأغلبية على مشروع تعديل متعلق بملف الصحراء، والذي يهم توسيع مهام “المينورسو” لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء بعدما طالبت مجموعة اليسار الأوروبي الموحد لدول الشمال الأمم المتحدة بذلك، فإن هذا الموقف يبقى عبارة عن مناورة سياسية و غير ملزم، ولأنه أيضا لن يؤثر على المغرب كثيرا، باعتبار أن أي إجراء في الأقاليم الصحراوية لن يتم إلا برضا المغرب، دولة ذات سيادة .

كما أن موقف برلمان الاتحاد الأوروبي يتعارض مع موقف الحكومات الأوروبية، لأن مواقف هذه الأخيرة هي التي تعبر عن المواقف الرسمية للدول ، والتي تدعم حلا سياسيا ومتوافقا عليه، متمثلا في المقترح المغربي بإقامة حكم ذاتي في المنطقة.

الجزائر الآن فشلت في التأثير على هيئة الأمم المتحدة ، وفشلت أيضا في التأثير على أمينها العام “بان كي مون” لإخراجه من حياده وتوريطه في صراع لن يخدم أجندة الأمم المتحدة التي تدعو إلى الأمن والاستقرار و الحلول السلمية المتوافق بشأنها، وهذا ما يفسر لجوء الجزائر إلى مناورات عسكرية ، من حين الى آخر ، و إلى مزيد من التسلح على حساب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة بهذا البلد ، كل ذلك من أجل استفزاز المغرب ، البلد الذي اختار السلم كمبدأ أساسي في علاقاته مع دول الجزار و في علاقاته الدولية.

خالد الشرقاوي السموني

*أكاديمي وناشط حقوقي

تعليق من حسابك فيس بوك

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر: يسمح التعليق بصورة موضوعية بعيدا عن التجريح، السب، القذف أو التعرض للمقدسات.
ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء و المقالات المنشورة في الجريدة لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسكي الصحراء وهي تلزم بمضمون كاتبها حصرياً.